في عالم يسوده عدم التيقن، وتداخل الأمور مع بعضها البعض في أشكال أكثر تعقيداً وعدم وضوح، تبرز أهمية الوعي السياسي لدى الشباب باعتباره من الركائز الأساسية التي تُسهم في بناء المجتمعات المستقرة والأكثر تقدماً. فالشباب هم طاقة المجتمع، وطليعة مستقبله؛ فإذا صلح الشباب صلح المستقبل. فالشباب الواعي سياسياً هو القادر على فهم التحديات الوطنية والإقليمية والعالمية، والمشاركة الفعالة في الحياة العامة، والمساهمة في حماية المصالح الوطنية وتعزيز مسارات التنمية.
ولا يعني الوعي السياسي- فقط- المعرفة بالمفاهيم والمصطلحات السياسية أو متابعة الأخبار والوقوف على المستجدات، بل يتجاوز كل ذلك إلى القدرة على تحليل الأحداث، وفهم السياقات السياسية وفقاً لما يصب في صالح المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان ويحقق الأمن والاستقرار من خلاله، ويُسهم في نمائه وتقدمه. وعليه فإن سياقات الفهم هذه قد تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، فليست كل المجتمعات مبنية على سياقات واحدة، لكن الجامع بينها هو تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. فهذا الهدف يُعتبر هو السياق المشترك بين مختلف المجتمعات، لكن طريقة تحقيقه تختلف من مجتمع إلى آخر، الأمر الذي يفرض على مختلف المجتمعات أن تبني وعياً سياسياً يتماشى مع مبادئها ومنظوماتها القيمية التي تحقق ذلك الهدف. من هنا تأتي أهمية الوعي السياسي وبنائه عند الشباب، الذين هم في الواقع أكثر عرضةً للتأثر بحكم حداثة تشكل فكرهم وحجم الترابط والتواصل مع العالم الخارجي.
وفي هذا السياق، تلعب مؤسسات التعليم- ولاسيما مؤسسات التعليم العالي- دوراً محورياً في بناء الوعي السياسي عند الطالب. فالجامعات لا تقتصر وظيفتها على نقل المعرفة الأكاديمية وحسب، بل تقع على عاتقها مسؤولية تشكيل شخصية الطالب وتوسيع مداركه الفكرية والثقافية. فبناء الفكر وظيفة لا تقل أهمية عن نقل المعرفة. وعليه، يُفترض أن تُسهم المناهج الجامعية، والأنشطة اللاصفية، والحوار الأكاديمي، في تعزيز فهم الطلبة للقضايا السياسية المعاصرة، وربطها بالواقع المحلي والعالمي. فإن لم يتم توجيه الطالب لفهم تلك الأمور من منظور وطني ومسؤول، فإنه يكون عرضة للتفسيرات المشوهة للفكر الوطني والواقع المحلي الذي يعيش من خلاله. فبناء حس المواطنة الصالحة عند الشباب هي مسؤولية تُلقى على عاتق المؤسسات التعليمية الوطنية، وبالأخص الجامعات الوطنية، التي يجب أن تترجم الحس الوطني المسؤول إلى فكر في عقول خريجيها، عبر مناهجها الدراسية التي تجسد روح الإحساس الوطني عند الطالب. فعلى الجامعات أن تطور خططها الدراسية وأنشطتها اللاصفية نحو تحقيق مثل هذا الهدف باعتباره من أهم الأهداف الذي يجب أن تعمل على تحقيقها الجامعات، لكونها مسؤولية مجتمعية ووطنية.
إن البيئة الجامعية تتيح للشباب فرصاً للتفاعل مع مختلف الآراء والانتماءات، التي من شأنها أن تعزز مهارات الحوار والنقاش والفهم المتبادل ويبعدهم عن التطرف الفكري. وهذه غايات مهمة، تلقي على عاتق الجامعات العمل على تحقيقها من خلال إيجاد البرامج المساهمة في تحقيق ذلك عبر توفير الأدوات التي تساعد الشباب على التحليل والتقييم والمشاركة الواعية. ولا يقتصر دور الجامعات على توفير هذه البيئة لطلبتها الجامعيين وحسب، بل تشمل- أيضاً- وضع برامج تُساهم في دعم الوعي السياسي البناء والمسؤول عند الشباب في مختلف مناحي القطاعات المجتمعية من مدارس، ومعاهد، وجامعات، ومؤسسات قطاع عام وخاص. فمؤسسات التعليم العالي هي صاحبة الدور الأبرز في صياغة هذا الوعي بشكل ممنهج وعميق؛ بما يضمن نشوء جيل قادر على حماية المكتسبات الوطنية والمساهمة الفاعلة في صناعة المستقبل. فبقدر ما يكون شباب الوطن واعياً سياسياً، بقدر ما يكون الوطن قادر على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
الأستاذ الدكتور/ محمد بن هويدن
عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
جامعة الإمارات العربية المتحدة